أبي منصور الماتريدي

329

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - فنقضوا عهده ) . فإن قيل : فرسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد أقر أهل خيبر بها إلى أن قبضه الله وهي من جزيرة العرب ، وأصرح من هذا أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بالمدينة على ثلاثين صاعا من شعير أخذه لأهله . قيل : أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يقرهم إقرارا لازما ، بل قال : « نقركم ما شئنا » ، وهذا صريح في أنه يجوز للإمام أن يجعل عقد الصلح جائزا من جهته متى شاء نقضه بعد أن ينبذ إليهم على سواء ، فلما أحدثوا ونكثوا أجلاهم عمر - رضي الله عنه - فروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا فقال : إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أموالهم . وقال : نقركم ما أقركم الله تعالى ، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدى عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه ، وليس لنا هناك عدو غيرهم ، هم عدونا وتهمتنا ، وقد رأيت إجلاءهم . فلما أجمع عمر - رضي الله عنه - على ذلك أتاه أحد بني الحقيق فقال : يا أمير المؤمنين ، أتخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا ؟ فقال عمر - رضي الله عنه - : أظننت أني نسيت قول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « كيف بك إذا خرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة » ، فقال : كانت هذه هزيلة من أبي القاسم ، فقال : كذبت يا عدو الله ، قال : فأجلاهم عمر - رضي الله عنه - وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك . وفي صحيحه أيضا عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : أتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم ، وغلبهم على الأرض والزرع والنخل ، فصالحوه على أن يجلوا منها ، ولهم ما حملت ركابهم ، ولرسول الله صلى اللّه عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة - وهي السلاح - ويخرجون منها ، واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا ، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد . فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيى بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لعم حيي - واسمه سعية - : « ما فعل مسك حيي الذي جاءوا به من النضير ؟ » ، قال : أذهبته النفقات والحروب ، فقال : « العهد قريب والمال أكثر من ذلك » ، وقد كان حيي قتل قبل ذلك ، فدفع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سعية إلى الزبير فمسه بعذاب ، فقال : قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا ؛ فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة ، فقتل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ابني أبي الحقيق ، وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب ، وسبى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نساءهم وذراريهم ، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا ، وأراد أن يجليهم منها ، فقالوا : يا محمد ، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها ، ولم يكن لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها ولا يفرغون أن يقوموا ، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع وثمر ما بدا لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عام فيخرصها عليهم ، ثم يضمنهم الشطر ، فشكوا إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم شدة خرصه ، وأرادوا أن يرشوه ، فقال عبد الله : أتطعمونني السحت ، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ، ولأنتم أبغض الناس إلى من عدلكم من القردة والخنازير ، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على ألا أعدل عليكم . فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض ، فكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام ، وعشرين وسقا من شعير ؛ فلما كان زمان عمر - رضي الله عنه - غشوا المسلمين ، وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه ، فقال عمر : من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم . فقسمها عمر - رضي الله عنه - بينهم . فقال رئيسهم : لا تخرجنا ، دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر . فقال عمر - رضي الله عنه - لرئيسهم : أتراه سقط على قول -